محمد أبو زهرة

386

المعجزة الكبرى القرآن

قبله وما بعده يفرض الرق على كل غريب ، حتى جاء الإسلام فألغى هذا وغيره ، وقد أخذوه بضاعة ، وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة ، ولم يكونوا راغبين في بقائه . وقد توسم الذي اشتراه من مصر فيه الخير ، وقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، وبذلك ربى في كلاءة ربه كما صنع مع موسى ، إذ ألقاه إخوته في الجب حسدا وإيذاء ، كما ألقت أم موسى ولدها وقد وضعته في التابوت حرصا أو فرارا به من الموت . وبهذه المحبة التي أضفاها اللّه على من اشتراه مكن اللّه ليوسف في الأرض ، وألهمه الحكمة ، وعلمه تأويل الأحاديث والرؤى ، ولما بلغ أشده آتاه اللّه تعالى حكمة وقدرة على الحكم على الأشياء والأشخاص ، وصبرا وإدراكا . آل أمره إلى أن يكون في بيت حاكم مصر ، وأن يكون خازن أسراره ، ومتصلا بامرأته . على أن يكون خادما خاصا . وهنا نجد القرآن في تلك القصة الواقعة يصور لنا نفس المرأة المترفة الفاكهة في العيش والنعيم . رأت على القرب منها فتى جميلا ذا فتوة وقوة ، فراودته عن نفسه ، وغلقت الباب ونادت طبيعته البشرية . قالت له أقبل ، ولكنه في خلق النبوة يقول لها قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ، فالخلق يمنعه والوفاء يصده . ولكنها أخذت في الإغراء ، وأرادت أن توقظ فيه الغريزة ، ولعلها أيقظتها ولكن غلبه نور الهداية على الغريزة الدافعة ، إذ رأى نور الحق ، وهو نور ربه . وفي هذه الصورة الواقعة صورة الحياة المترفة كيف تفسد النفوس ؟ وكيف يغرى بالرذيلة وجود الخدم الأقوياء في خدمة ذوات الخدر ، وكيف تكون الإرادة الصابرة كابحة للغريزة الجامحة وحائلة بينها وبين الشر . تلك حال جديرة بالدرس على ضوء القرآن . وتجىء من بعد تلك المعركة بين الهوى الجامح ، والحكمة والإرادة القوية ، وهو يذهب إلى الباب فارا من الرذيلة ، وهي تذهب وراءه تجره إليها ، وتكون المفاجأة لها . وسرعان ما تكشف عن خلق المرأة وهو مسارعتها إلى اتهام البرىء إذا لم تحقق رغبتها ، بل شهوتها ، فتستعدى عليه زوجها وتثير فيه الحمية ، لقد وجدا سيدها لدى الباب الذي يتسابقان إليه ، هو ليفر وهي لتشده إليها . قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ شكت ظلما . وحكمت ظلما ، ولكنه حكم ليس فيه الموت ، لأنها ترجوه لها بعد ذلك .